ثلاثة في حبل الإعدام.. قضية جنائية من أرشيف الصحافة المصرية عام 1997

أكتوبر 14, 2026 - 18:49
أكتوبر 15, 2026 - 01:39
 0  4

كتبت /سهام عبد الغفار

فى  14 /10 / 2026

تكشف صفحات الصحف المصرية القديمة عن جانب من التغطية الصحفية للجرائم الكبرى التي شغلت الرأي العام خلال تسعينيات القرن الماضي. ومن بين هذه المواد صفحتان من صحيفتي «الأحرار» و«الجمهورية»، تتناولان قضية جنائية انتهت، وفقًا لما يظهر في العناوين المنشورة، بالحكم بالإعدام على ثلاثة متهمين.

وتحمل صفحة «الجمهورية» عنوان «ثلاثة في حبل الإعدام!!»، بينما تتناول الصفحة الأخرى من «الأحرار» قضية مرتبطة بمقتل مهندس وسرقة أموال من مقر عمله، بحسب القراءة الأولية للعنوان والتفاصيل الظاهرة.

وتفتح الصفحتان الباب أمام إعادة بناء تسلسل القضية، بدءًا من وقوع الجريمة، مرورًا بتحريات الشرطة والتحقيقات والمحاكمة، وصولًا إلى الحكم القضائي.

ثلاثة في حبل الإعدام.. قضية جنائية من أرشيف الصحافة المصرية عام 1997

❤️ من باقة ورد إلى حبل المشنقة.. حكاية مهندس الكمبيوتر الذي قتلوه طمعًا في 300 جنيه

هذه القضية ليست مجرد جريمة قتل من جرائم التسعينيات؛ هي حكاية حب بدأت بالورد والشوكولاتة، وانتهت بجريمة بشعة، وأم شابة وجدت نفسها فجأة أرملة ومعها طفلتان صغيرتان، وأب لم يحتمل صدمة مقتل زوج ابنته فسقط ميتًا من شدة الحزن، بحسب رواية  غادة ارملة  في اواخر العشرينات .

أقوى ما في الحكاية، من وجهة نظري، ليس الجريمة وحدها، لكن إصرار الزوجة على حضور جلسات المحاكمة، وهي تحمل ابنتيها، ورفضها أن تترك القضية حتى ترى المتهمين أمام العدالة.

القصة  تبدأ حسب رواية صاحبتها مع الحفاظ على التفاصيل ، ومن دون اختراع حوارات أو وقائع  كما يلي 👇

❤️ ثماني سنوات من الحب والزواج، وطفلتان صغيرتان، وشركة كانتتحمل أحلام مهندس شاب في مستقبل واعد. ثم مكالمة هاتفية عاديةفي ظاهرها، وموعد عمل لم يكن صاحبه يعرف أنه سيكون الأخير. وفيالنهاية، أرملة قررت ألا تتوقف حتى ترى العدالة تتحقق.

🟨  الفصل الأول:

حين جاء العريس يحمل الورد والشوكولاتة

لم تبدأ الحكاية بصوت رصاصة، ولا بصرخة استغاثة خلف باب مغلق، ولا بدماء تغطي أرضية مكتب.

بدأت بقصة حب.

كانت فتاة  عشرينية. من عمرها جميلة قد اختارت قلبها قبل أن تحصل على موافقة والدها. تقدم لها شاب يعمل مهندسًا في مجال الكمبيوتر، لكن والدها لم يكن موافقًا على الزواج في  البداية  من دون سبب وكأن الاب قلبه حاسس  بمصير ابنته . لم تستسلم الفتاة، ولجأت إلى الأقارب حتى يتوسطوا لها لدى أبيها، لعلّه يقتنع بالشاب الذي اختاره قلبها.

كانت تريد هذا الرجل تحديدًا، وكانت مستعدة لأن تبذل كل ما تستطيع حتى يتحول الحب إلى بيت وأسرة.

وبعد محاولات، جاء اليوم الذي انتظرته.

حضر العريس يحمل باقة من الورد وعلبة من الشوكولاتة، وتمت الخطوبة، ثم تزوج الحبيبان.

لم تكن الفتاة تعرف أن السنوات الثماني التي ستعيشها إلى جواره ستصبح يومًا آخر ما تبقى لها من حياة مشتركة، وأن ذكرى الورد والشوكولاتة ستظل على النقيض تمامًا من النهاية التي ستواجهها.

🟩  الفصل الثاني:

مهندس شاب في زمن البدايات

في ذلك الوقت، كان عالم الكمبيوتر يشق طريقه بقوة إلى المجتمع المصري. كان المجال جديدًا نسبيًا، وكانت الصحف تهتم بالمهندسين الشباب الذين أدركوا مبكرًا أن الكمبيوتر سيكون جزءًا أساسيًا من المستقبل.

كان زوجها واحدًا من هؤلاء الشباب.

أسس شركة «الإسراء للكمبيوتر»، وحقق نجاحًا في مجاله، وظهرت أخبار ومقالات صحفية تتناول نشاطه وشركته وقدراته المهنية.

لم يكن مجرد زوج وأب لطفلتين؛ كان رجلًا يبني مستقبله بجهده، ويعمل على توسيع نشاطه في مجال واعد، في وقت كانت فيه التكنولوجيا الحديثة تفتح أبوابًا جديدة أمام جيل كامل.

مرت السنوات، وأنجب الزوجان طفلتين صغيرتين، واستقرت الأسرة على أحلامها المعتادة: بيت، وعمل، ومستقبل أفضل للصغيرتين.

وكانت أسرة الزوجة تقيم في الإمارات، حيث يعمل والدها ووالدتها في التدريس.

كل شيء، وفقًا لرواية الزوجة، كان يمضي في مساره الطبيعي، حتى جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء.

🟨. الفصل الثالث:

المكالمة الأخيرة

خرج المهندس إلى عمله كعادته.

وفي وقت لاحق، اتصل بزوجته. أخبرها أن السائق الذي كان يعمل لديه تواصل معه، وأنه سيحضر إليه عميل  لديه أمر يرغب في عرضه عليه. وطلب منها أن تنتظره ليلًا، إذ كان يتوقع أن يعود بعد إنهاء عمله.

كانت مكالمة عادية بين زوجين، لا تحمل في ظاهرها ما يدعو إلى القلق.

لكنها كانت آخر مكالمة بينهما.

بحسب رواية الزوجة، حضر السائق إلى المكتب ومعه رجلان آخران. وصعد الرجلان إلى المهندس، بينما بقي شخص في الأسفل.

لم يكن المهندس يتوقع أن يتحول موعد العمل إلى مواجهة دامية مع أشخاص يعرف أحدهم هويته.

اندفع المعتدون نحوه، وبدأ الاعتداء الذي انتهى بمقتله.

وتروي الزوجة أنه حاول أن يترك لهم ما يريدون، وأنه طلب منهم أن يأخذوا ما يبحثون عنه ويغادروا، لكنهم لم يتركوه. حسب رواية احد المتهمين في القضية عند سؤاله في التحقيق

كانت المشكلة، بحسب روايتها، أن المهندس تعرف على أحد المعتدين، وهو ما جعلهم يخشون انكشاف أمرهم.

وانتهى الاعتداء بمقتل الرجل داخل مكتبه.

🟦 الفصل الرابع:

الخزنة التي لم تُفتح.. و300 جنيه

بعد مقتل المهندس، حاول المعتدون فتح الخزنة الموجودة في المكتب، لكنهم لم يتمكنوا من فتحها.

وفي النهاية، لم تكن حصيلة ما أخذوه من الرجل سوى 300 جنيه من جيبه، وقلم، ودبوس ذهبي صغير، بحسب التفاصيل التي ترويها الزوجة.

ثلاثمائة جنيه، وقلم، وقطعة ذهبية صغيرة.

هذه هي الأشياء التي خرج بها المعتدون، بعد أن انتهت حياة رجل كان يبني شركة ويعمل من أجل أسرته ومستقبل طفلتيه.

وخلال الاعتداء، تشبث المهندس بأحدهم، وأصيب ذلك الشخص في يده.

وتقول الرواية إن الثلاثة غادروا المكان، وإن الأموال التي استولوا عليها استُخدم جزء منها في علاج الشخص المصاب

ثم اختفوا.

بقي المكتب خلفهم، وبقي الرجل الذي خرج صباحًا إلى عمله ولم يعد إلى بيته.

🟥  الفصل الخامس:

زوجة تنتظر.. وأب يكتشف الفاجعة

في المنزل، كانت الزوجة تنتظر عودة زوجها.

مر الوقت، ولم يعد.

بدأ القلق يتسلل إليها، فاتصلت بأسرته، وبدأ الجميع البحث عنه. أخبرتهم بآخر مكالمة بينهما، وبما قاله لها عن السائق والموعد الذي كان ينتظره في المكتب.

كان هذا الخيط من أهم ما عرفته الأسرة عن تحركاته الأخيرة.

ومع تصاعد القلق، توجه والده إلى المكتب. وعندما وصل، وجد الباب مغلقًا، فجرى فتحه، وكانت الصدمة التي لا يمكن أن تُمحى من ذاكرته: ابنه ملقى على الأرض، وقد فارق الحياة.

لم يعد الأمر مجرد غياب رجل تأخر عن منزله.

لقد أصبح أمام الأسرة جثمان ابنها، وأمام الشرطة جريمة قتل تستوجب كشف ملابساتها وتحديد مرتكبيها.

أما الزوجة، فكانت على موعد مع مأساة أخرى.

فقد تلقت أسرتها الخبر في الإمارات، وتروي الزوجة أن والدها لم يحتمل الصدمة، فسقط ميتًا من شدة الحزن.

في لحظة واحدة، وجدت نفسها تواجه فقدان زوجها، وفاجعة وفاة والدها، ومسؤولية طفلتين صغيرتين فقدتا أباهما، بينما كانت هي تحاول استيعاب ما حدث.

أصبحت الأم التي كانت تعيش حياة زوجية مستقرة أرملة، وأصبحت الطفلتان بلا أب، وتحول المستقبل الذي كانت الأسرة تبنيه إلى أسئلة موجعة عن الجريمة والعدالة.

🟫 الفصل السادس:

 الأم التي رفضت أن تتراجع

كان من الممكن أن تنشغل الزوجة بحزنها وحده، وأن تترك الأيام تمضي في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات والمحاكمة.

لكنها، وفقًا لروايتها، اختارت طريقًا آخر.

قررت أن تتابع القضية بنفسها، وأن تذهب إلى جلسات المحاكمة، وأن تظل قريبة من تفاصيلها، حتى لا تضيع الحقيقة وسط ما قد يثار من روايات أو تأويلات.

كانت تحمل طفلتيها الصغيرتين معها إلى الجلسات.

وكان من حولها من ينصحونها بأن تترك الطفلتين في المنزل، وأن تذهب وحدها، أو أن تبتعد قليلًا عن أجواء المحكمة القاسية.

لكنها كانت ترى أن وجودها ومتابعتها للقضية جزء من معركتها لاسترداد حق زوجها.

لم تكن تملك إعادة الرجل الذي أحبته إلى الحياة، ولم يكن بوسعها أن تعيد إلى ابنتيها أباهما، لكنها كانت تملك أن ترفض الصمت، وأن تصر على متابعة المحاكمة حتى نهايتها.

لم تعد المعركة بالنسبة إليها مجرد قضية جنائية؛ لقد أصبحت معركة أم تريد أن تحفظ لابنتيها حقهما في معرفة الحقيقة، ومعركة زوجة لا تريد أن يتحول مقتل شريك عمرها إلى واقعة تمر عليها الأيام ثم تُنسى.

🟥 الفصل السابع:

من قفص الاتهام إلى حكم الإعدام

استمرت القضية حتى وصلت إلى الحكم.

وتقول الزوجة إن المتهمين الثلاثة انتهى بهم الأمر إلى حكم بالإعدام، وإن الشخص الذي بقي في الأسفل، ولم يصعد مع الرجلين اللذين واجها المهندس داخل المكتب، شمله الحكم أيضًا.

وهذه نقطة تحتاج إلى مراجعة منطوق الحكم الأصلي وأسبابه؛ لمعرفة التهم التي وُجهت إلى كل متهم، والدور الذي نسبته المحكمة إليه، والأساس القانوني الذي بنت عليه حكمها.

ففي القضايا الجنائية، لا يكفي أن نعرف أن شخصًا كان موجودًا في مكان الجريمة، أو أن آخر هو الذي نفذ الاعتداء؛ بل يجب أن نعرف ما ثبت أمام المحكمة، وما انتهت إليه التحقيقات، وكيف تعامل القضاء مع مسؤولية كل متهم.

وبحسب رواية الزوجة، فإن إصرارها على متابعة الجلسات لم يتوقف حتى صدور الحكم الذي كانت تنتظره.

لكن الحكم، مهما كان، لم يكن قادرًا على إعادة زوجها، ولم يكن بوسعه أن يمحو من ذاكرة طفلتيها حقيقة أنهما كبرتا من دون أبيهما.

🔳 الخاتمة:

جريمة سرقت أكثر من حياة

في ظاهرها، كانت جريمة داخل مكتب شركة كمبيوتر، انتهت بسرقة مبلغ مالي محدود وبعض المتعلقات الشخصية.

لكن خلف هذا المشهد كانت هناك حياة كاملة.

كان هناك مهندس شاب بنى شركة وسعى إلى النجاح، وزوجة أحبته وانتظرته ثماني سنوات، وطفلتان صغيرتان كان من المفترض أن يراهما تكبران أمام عينيه.

وكان هناك أب لم يحتمل الصدمة، وزوجة وجدت نفسها مطالبة بأن تجمع شتات أسرتها، وتواجه الحزن، وتتابع المحاكمة، وتحاول أن تحمي حق ابنتيها.

أما الـ300 جنيه والقلم والدبوس الذهبي، فظلت تفاصيل صغيرة في رواية أكبر بكثير من قيمة ما سُرق.

لقد كان الثمن الحقيقي حياة رجل، وأسرة تفككت، وطفلتين فقدتا أباهما، وأرملة حملت وجعها إلى قاعة المحكمة، مصممة على ألا تتوقف قبل أن تقول العدالة كلمتها.

وهنا تبقى الأسئلة التي لا ينبغي أن يجيب عنها إلا ملف القضية: كيف خطط المتهمون للجريمة؟ وما الذي أثبتته التحقيقات عن دور كل منهم؟ وما الأسباب التي استندت إليها المحكمة في الحكم على الثلاثة بالإعدام؟

تلك التفاصيل هي التي ستنقل الحكاية من رواية مؤلمة إلى تحقيق جنائي موثق يحفظ الوقائع كما حدثت، ويعيد قراءة واحدة من القضايا التي تناولتها الصحافة المصرية في تسعينيات القرن الماضي.

بنت فرعون – من ذاكرة الصحافة المصرية.

ما هو رد فعلك؟

إعجاب إعجاب 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
أحب أحب 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0